أحمد بن محمد ابن عربشاه

288

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وفي مياهه من السماك ما يفوق سابحات السماك ، فكان ذلك الطير في دعة وخير ، يزجى الأوقات بطيب الأقوات ، وكلما تحرك بحركة كأن فيها بركة ، حتى لو غاص في تلك البحار والغدران لم يخرج إلا وفي منقاره سمكة . فاتفق في بعض الآناء تعسر عليه أسباب الغذاء ، وارتج لفوت قوته أبواب العشاء ، فكان يطير بين عالم الملك والملكوت يطلب ما يسد الرمق من القوت فلم يفتح عليه بشئ من أعلى السماك إلى أسفل الحوت ، وامتد هذا الحال عدة أيام وليال ، فخاض يوما في الرقراق « 1 » يطلب شيئا من الأرزاق ، فصادف سمكة صغيرة قد عارضت مصيرة فاختطفها ومن بين رجليه التقفها ، ثم بعد اقتلاعها قصد إلى ابتلاعها ، فتداركت زاهق نفسها قبل استقرارها في رمسها ، فنادت بعد أن كادت أن تكون بادت ما البرغوث ودمه ، والعصفور ودسمه . اسمع يا جار الرضا ومن عمرنا في صونه انقضى : لا تعجل في ابتلاعى ولا تسرع في ضياعي ؛ ففي بقائى فوائد وعوائد عليك عوائد ؛ وهو أن أبى قد ملك هذا السمك فالكل عبيده ورعيته وواجب عليهم طاعته ومشيئته ، ثم إني واحد أبوى وأريد منك الإبقاء على ، فإن أبى نذر النذور حتى حصل له بوجودي السرور ، فما في ابتلاعى كبير فائدة ولا أسد لك رمقا ولا أشغل لك معدة فتصير مع أبي الفضيل كما قيل : فافقرنى فيمن أحب ولا أستغنى ، فالأولى أن أقر عينك وأعرف ما بين أبى وبينك ، فأكون سببا لعقود المصادقة وفاتحا لإغلاق المحبة والمرافقة ، ويتحمل لك الجميلة والمنة التامة والفضيلة . وأما أنا فأعهدك إن أعتقتنى ومننت وأطلقتنى ؛ أن أتكفل لك كل يوم بعشر سمكات بياض سمان ودكات « 2 » ، تأتيك مرفوعة غير ممنوعة ولا مقطوعة ، يرسلها إليك أبى مكافأة لما فعلت بي من غير نصب منك ولا وصب « 3 » ولا كد تتحمله ولا تعب .

--> ( 1 ) الماء الرقيق في البحر والوادي . ( 2 ) مستسلمات ذليلات . ( 3 ) تعب .